حمد الناصري
استمرّت مارسيليا تسرد لـ أحمد بعضًا من أحداث وقصص مُثرية للتأريخ فقالت يُعرف فندق انتركونيننتال مارسيليا بـإسم ديو هوتيل، وهو واحد من أجمل الفنادق التاريخية، بُنيَ في القرن الثامن عشر في قلب المدينة التاريخية مارسيليا على بُعد مسافة ليست ببعيدة عن الميناء القديم، وقد عُرف بـإنتر كونتيننتال مرسيليا ويقع في حي بانيي التاريخي، المُدرج كمعلم تاريخي، ويقع به المشفى الرائع المُسمى بمشفى ادوارد تولوز وهذا المشفى له قصة جميلة.. إذ كان الطبيب إدوارد تولوز آنذاك طبيباً نفسيًا وصحفيًا.. وقد تطلّع إلى تحويل مصحّات الحبس إلى مشفي رعاية للصحة العقلية. وذلك بين عامي "1865-1947". وهكذا هم الرائعون حقاً.
بعد ذلك أخذت مرسيليا نفسًا عميقًا وهي تنظر إلى أحمد وأردفت مُبتسمة ولا أنسى ذكريات بقتْ عالقة في ذهني، يوم أنْ الْتقينا في ساحة الفناء بمراكش بالمغرب المُطل على أوروبا.؛. أتذكر في ذلك اليوم من ابريل 2011 بالمقهى الذي يجمع السياح الأجانب، وكم كُنا محظوظين يوم أن حدث انفجار مهول بعد خروجنا مباشرة من مقهى "اركانا" بعد إصرارك للخروج من المقهى قبلها بقليل وإلاّ لكنت اليوم واحدة من الذين تحوّلوا إلى ركام من الفحم.
لقد قرأت بعدها بالصُحف أنّ ذلك الانفجار كان هجومًا إرهابيًا، نتج عنه سبعة عشرًا قتيلًا وعشرون مُصاباً..
وقد كانت نجاتي منه بفضلك أيها المؤمن، وضحكت وهي تسهب في نظرها إلى أحمد وتقول يا إلهي لقد أعطيتني حياة جديدةـ ثم أردفت: ألا تذكر من هو ذلك الرجل المتين الذي كان برفقتي ولم يخرج معي قبل تفجير المقهى إنه أبي كان رجل أعمال ناجح وأنا وحيدته وقد ترك إرث خِبْرته العملية لي، وهو قُدوتي ومُلهم نجاحي.. كان قد جلس مع أحد الذين يُديرون المقهى، يتحدّثان عن التجارة وإمكانية الاستثمار بفتح مقاهي مُماثلة في البلدان العربية.؟ وقد حصلت بَعْد موته في التفجير على تعويضات مالية.. سكتت قليلًا ثم أردفت بإبتسامة مُصطنعة ومنذ أن افْترقنا في ذلك اليوم ظلّ يُخامرني الشكّ بأنّا سنلتقي مرة أخرى ولم أيأس، ولأنّي جادة ومُثابرة قررت أنْ أحضر إلى ساحة الفناء بعدها كي ألتقيك وأخبرك بالحدث.؟ ولم أجدك حينها حتى هذه اللحظة التي التقيتكَ هنا في بلدي مرسيليا، مدينتي التاريخية، وإذا كنت قد نسيت اسمي فسأذكرك به، لقد أسْماني أبي باسم مدينتي، مارسيليا، حتى ملائكة الربّ يسوع تهنئني على هذا الإسم الجميل.. وأنت يا أحمد من تلك الملائكة التي خُلقتْ لتحمينا، ولولا حدسك وقراءتك غير العادية في يوم الانفجار، لما سارعت وحرصت على عجل للخروج بنا من ذلك المقهى الذي انفجر بعد لحظات من خُروجنا، فكنت المُنقذ.؛
ابتسم أحمد.. ابتسامة عريضة، وحمد الله.. ثم قال معقباً.. أنا لستُ من ملائكة السيد يسوع عليه السلام ولا أقرء الغيب ولكنها حكمة الله في مَنحه للحياة لنا من جديد، قالت مرسيليا بعد أنْ عدّلت جلستها.. أتعرف يا أحمد أنك رجل لطيف وذكي وأنني في قمّة سعادتي بتواجدك معي اليوم.
فجأة شعر بالاضطراب، وتحيّر ما الذي يُمكنه أن يقوله لصديقته مارسيليا.؟ لكنه ظلّ في هدوء والتزم الصمت.
قالت مارسيليا:
ـ أحمد ما بالك سكتّ ولم تتكلّم كعادتك، أرجوك لا تضيّع علينا الفرحة.؟
فرد أحمد.. أشعر بجفاف في حلقي وحرقة بصدري.
نهضت مرسيليا من مكانها وضغطتْ على زر.. آلو.. لديّ مريض.. أسرعوا.
فردّ الصوت دقيقة وستكون سيارة الاسعاف أمام الفندق.؟
عند وصول سيارة الإسعاف قالت خذوه إلى المشفى.. وسألحق بكم.؟ كانت قبل ذلك قد عقدت العزم على أن تذهب مع أحمد إلى مركز برادو للتسوق لكن الأقدار لم تشأ ذلك.
في قاعة الانتظار حدّثت مرسيليا نفسها، يبدو أنّ حُلماً قد تعطّل، كنت أرقبه من أول يوم جاء فيه أحمد، كنت أريد أن أفاجئه بعيد ميلادي.. يوم 25 يونيو لكن أحمد كما يبدو لم يَعُد أحمد الذي أعرفه، لقد تغيّر، ولم يعُد ذاك العربي الساذج، إنه شخص ملتزم ومتوقّد الذكاء، لقد نأى بنفسه عن تعاطي الدخان ومُفتّحات الراحة النفسية كالنبيذ وغيره، ولن أستطيع أن أمسك عليه خيطًا واحداً، فقد نأى بنفسه عن كل ما يُمكن أن يوقع به.. إنه شخص ذو قِيَم يفعل ما يُؤمن به، ولا يُقيم أي علاقة مشبوهة.
في مستشفى ادوارد تولوز، قالت مرسيليا.. جئت للإطمئنان عليك. ردّ أحمد بصوت متحشرج شكراً.. فعقّبت مارسيليا، إنّ ليلة غد هي ليلة عيد ميلادي.. كنت أريد أن أدعوك وأمتّعك بعبق الجمال الذي لا يحظى به مني سوى رجل شرقي رائع وجميل مثلك.؛ لكن ساعة الحظ تعطّلتْ وأبطلت أمنيتي.؛
تذكّر أحمد بداية لقاءه بمرسيليا، يوم أن قالت له أنا بنت فرنسا.. لا تُحاول أن تقنعني بأنك شخص نقي.. وأنك لم تُعاشر بنات الليل.؟ وها هي ما زالت تُحاول أن توقعني في شباكها وتُريد أن تعيش معي اللحظة الجميلة.؟. ولم أستطع أن أصرفها عني.؟ ماذا أفعل؟
فجأة صرخ بصوت مسموع آآه.. إني أختنق.. سأموت.. نادي لي الطبيبة.. قالت مارسيليا وقد فهمت أنه يُحاول الخلاص منها، هل أنت أحمق...؟ أنادي الطبيبة، إنّ الموت خير لك.؟ قال أحمد بصوت لا يخلو عن حشرجة.. لا داعي لهذا الحديث الان، فإنّ جسدي الذي أغراكِ لا روح فيه.
كانت إحدى المُمرضات تتلصص عليهما وهما يتجادلان ويتحاوران في أمور غامضة ورمزيات مجهولة لم تفقه كثيراً منها.. حدثت نفسها، تُرى ما الذي يُخبآنه من أسرار.؟ يبدو أن وراءهما حكاية ما.؟ يجب أن أعرف كل شيء.؟
عندما أخبرت المُمرضة الطبيبة المُشرفة، قالت الطبيبة للممرضة لارا.. اسمعي ما أقوله لك.. لقد تعلّمنا، أنّ مهنة التمريض مهنة إنسانية وتحتاج إلى طاقة ونشاط وهمّة عالية، فمساعدة المرضى ليس بالأمر الهيّن، فقومي بواجبك دائمًا، بعزم ونشاط والتزام، فـ مهنة التمريض مهنة إنسانية وتحتاج إلى جهد وتفاني، وثقتي بك كبيرة فكوني سيّدة الموقف.. وأي أمر يحدث للمريض أبلغيني أولًا بأول.؛ فنحن مسؤولون عنه ــ أمام الرب يسوع،
والآن يا ـ لارا ـ خُذي كل المعلومات عن الفتاة بانيي مرسيليا وعلاقتها بالمريض أحمد العربي وشدّدي عليها المُراقبة أثناء حضورها، وانْقلي المريض إلى العناية الفائقة.. حتى نعرف حقيقة الأمر.
ردت الممرضة بسرور:
ـ طيب سأفعل كلّ ما أمرتني به.
*
في اليوم التالي.. قالت الممرضة "لارا" بعد أن وطّدت معرفتها بالشاب أحمد.. ما السرّ في علاقتك بمرسيليا.؟
قال أحمد في الحقيقة أنا لا أعرفها.. وسرد لها القصة الكاملة.؟ طارت ـ لاراـ بالخبر إلى الطبيبة.. فقالت الطبيبة بإهتمام، لقد وضحت الصورة.
في نفس اليوم طلبت الطبيبة الجلوس مع الشاب أحمد.. وقالت له.. طاب مساءك.. أحب أن أطمئنك، أنك بخير، ويُمكنك الخروج من المستشفى.. كان مرضك عبارة عن إرهاق وتوتر نفسي.. وكما يبدو لي أنك شاب كريم وطيب ونقي. ونصيحتي لك أن تبتعد عن فتيات المصلحة وبياعات الهوى.. فأولئك هنّ محور الشرّ بل الشر نفسه.
نادت على الممرضة لارا.. أعطيه إذنًا بالخروج وسجلي بإسمه مبلغ 300 يورو مقابل إقامة ليلتين ونهار بالمشفى.
